10 أكتوبر 2021

عبد الله الثاني وصندوق باندورا

عبد الله الثاني وصندوق باندورا

لميس أندوني

 

وفقاً للأسطورة الإغريقية، حين فتحت باندورا، زوجة إيمثيوس، الصندوق الذي صنعه الإله زيوس، وطلب منها أن تبقيه مغلقاً، لكن الفضول انتصر، أطلقت كل الشر في العالم. في العصر الحديث، أصبح تعريف "صندوق باندورا" رديفاً للملف المغلق، أو المحظور الذي يؤدّي النبش فيه إلى تداعياتٍ قد لا تكون السيطرة عليها ممكنة؛ تؤدّي إلى تغيير إيجابي، كما يحاول الصحافيون تحقيقه أو مساءلته، إن لم يكن مقاضاة الشخص الذي حاول إبقاء أسراره حبيسة الغرف المغلقة.

أماطت "أوراق باندورا"، كما سمّى تجمّع الصحافيين الاستقصائيين العالميين تحقيقهم، اللثام عن تهرّب ضريبي وثروات غير معلنة لـ 35 زعيماً سياسياً في العالم، بينهم ملك الأردن، عبد الله الثاني، لكن الإعلام الغربي ركّز على قصة ثروة الملك العقارية التي وصلت إلى مائة مليون دولار، حتى إن صورة الملك وحده، أو معها صور شخصياتٍ معدودةٍ مذكورةٍ في التحقيق، تصدّرت عناوين التقارير عن نتائج العمل الصحافي الجمعي. وبدا التركيز على ملك الأردن، إلى حدٍّ ما، متوقعاً، إذ إنه على رأس دولةٍ يُشتَرط لدعم نظامها، تنفيذها متطلبات أهدافٍ للسياسة الأميركية، أو تعاونها مع الأميركي الرسمي، في تنفيذ هذه المتطلبات، من قبيل الحفاظ على أمن إسرائيل، بحكم أنها جغرافياً تحاذي أطول حدود (معترف أو غير معترف بها) مع الدولة الصهيونية، خصوصاً أن الولايات المتحدة هي مصدر المساعدات الخارجي الأكبر للمملكة. ولذا هي تحت مراقبة حثيثة من الكونغرس واللوبي الصهيوني اللذين قد يعتبران أحياناً ما يقدّمه الملك ليس كافياً لتحقيق المخطط الأميركي في المنطقة.

هذا هو سياق اهتمام الإعلام الأميركي، فالمؤسسات الأميركية، من البيت الأبيض إلى وكالة الاستخبارات، لا تحتاج تحقيقاتٍ صحافيةً استقصائية لمعرفة ثروة الملك أو قيمة عقاراته في الخارج، لكنها مستعدّة، كما مع حلفائها الآخرين، إلى استعمال أي "خروقات"، مالية أو لحقوق الإنسان، وسيلة ضغط، حين يكون لذلك ضرورة. لذا لم يكن مستغرباً أن يعقد القصر اتفاقاً مع مكتب محاماة شهير "لتولي القضايا الإعلامية"، أياماً قليلة قبل موعد الإعلان عن نتائج تحقيقات "أوراق باندورا" التي بلّغ عنها مسبقاً، كما العادة في مثل هذه التحقيقات. وقد لا يكون قلق الديوان الملكي من المعلومات نفسها، ومعظمها ليس سرّاً في أروقة الحكومة الأميركية، وإنما هو لتجنّب حملة إعلامية ضد العائلة المالكة أولاً، وثانياً خوفاً من أن تنشر معلوماتٍ أخرى صحيحةً أو غير صحيحة جهة قد تكون صديقة أو غير صديقة، فنتائج التحقيقات تعطي مصداقيةً لأي ادّعاءات، بغض النظر عن صدقيتها، تفوق ما جاء في "أوراق باندورا" خطورة، لكن اللجوء إلى مثل هذه الشركات يؤكّد الخلل الخطير في تفكير صنّاع القرار ومستشاريهم ورؤيتهم، فغضب الداخل أهم من حملة "تحسين الصورة في واشنطن"، إضافة إلى أن مكاتب المحاماة مثل الذي اتفق معه الديوان تطلب أموالاً باهظة نظير خدماتها ودفوعاتها.

على القصر في الأردن أن يتذكّر أن صحفاً أميركية كبرى، حين انفجرت "قضية الفتنة"، تعاملت بأسلوب ابتزازي مفضوح مع "طرفي العائلة المالكة"، وأنها لن تدافع عن النظام الأردني في أول لحظة تعتقد فيها الولايات المتحدة أن الملك خرج، ولو إنشاً واحداً، عن الخط الأميركي، كما حدث في عهد الرئيس دونالد ترامب، حين رفض الملك أجزاء رئيسة في صفقة القرن. وقد حدث مع الملك الراحل الحسين بن طلال، حين رفض دخول التحالف الدولي في الحرب الأميركية على العراق، أن الصحافة الأميركية حمَلت عليه، بتحريضٍ رسميٍّ من خلال تسريبات وأحاديث صحافية من نوع "أوف ذي ريكوردز"، في صورة شبه يومية في عامي 1991 و1992. والمقارنة غير دقيقة تماماً بين وضع الملك عبد الله مع إدارة الرئيس جو بايدن ووضع والده مع إدارة الرئيس جورج بوش الأب في تلك السنوات. ولكن هناك، في الحالتين دائماً، ثمناً باهظاً لكسب الرضى، فالهجوم على الملك حسين في الصحافة الأميركية حينها بدأ يخفّ بعد موافقة الملك على شروطٍ، أهمها فتح مكتب للمعارضة العراقية في عمّان، وتوقيع معاهدة وادي عربة مع إسرائيل في 1994. وقد تعامل الملك الراحل وقتها أيضاً مع مكتب استشارات قانونية كبير في واشنطن "لتحسين صورة الملك إعلامياً".

عاد الملك عبد الله الثاني من واشنطن في يوليو/ تموز الماضي، بعد زيارة اكتسب فيها، مجدداً، صفة الحليف المفضّل للولايات المتحدة، بما يعنيه هذا من ضمانة الدعم الأميركي لولي العهد، الأمير حسين بن عبد الله، وإزاحة مخاوف من أي مساندة أميركية لأخيه الأمير حمزة بن الحسين، في المستقبل، لكن صفة "حليف مفَضَّل" كلفت الأردن ثمناً باهظاً، بقبول الملك معاهدة دفاع مع الولايات المتحدة، تجعل الأردن منطلقاً لما تسمّيها الإدارة "عمليات نوعية" ضد أعدائها الذين لا نعرف هويتهم، وقد نحزر بعضاً منهم، وتنتقص من السيادة، إذ ليس للأردن أي سيطرة على دخول العملاء أو العاملين في قواعد أو مراكز أمنية وعسكرية في البلاد، أو حتى معرفة هويتهم.

واضحٌ أن هناك مخاوف لدى الملك من اهتزاز صورة "الحليف المُفَضَل" في واشنطن، خصوصاً وأن الأردن يعتمد على المساعدات الأميركية، لكن الكشف عن قيمة أملاك الملك العقارية في الولايات المتحدة وبريطانيا أكد، أو على الأقل، عمّق شكوك الأردنيين بتهرّب ضريبي كبير وحسابات في ملاجئ مالية آمنة لأموال العائلة المالكة والنخب المحيطة بها، بينما يعاني الأردن من مديونية خارجية تقدّر بحوالي 26.780 مليار دولار، ووضع اقتصادي مجمّد وبطالة ومستوى معيشي يتدهور، فالقصة ليست مسألة العقارات وحدها، بل فقدان الثقة بالمستقبل وتحميل الملك مسؤولية ذلك.

حاول الملك استباق "أوراق باندورا" واحتواءها بأمره بإطلاق سراح كل المحكومين بقضايا إطالة اللسان ضده أو ضد عائلته، وإن لم تُحذَف المادة التي أتاحت سجنهم، وطمأنة زعماء عشائر أردنية ومسؤولين سابقين أنه ماضٍ في الإصلاح، مرتكزاً على نتائج لجنة تحديث سياسي، جرى عملياً فرض أهم تعديلاتها على قانوني الانتخاب والأحزاب، تعتمد نسبة حد أدنى إقصائية لتمثيل الأحزاب في  البرلمان، وتهدف إلى القضاء على الأحزاب المعارضة  التاريخية، وتقويض فرصَ أي أحزاب حقيقية جديدة، بل تحاول  أجنحة  في الدولة  جعل  الأحزاب الموجودة وحتى غير الموجودة حاليا بالاندماج تحت ثلاثة عناوين "اليسار، الوسط، اليمين"، في تعريف هي تحدده وفقا لمتطلباتها. وقد بدت تصريحات مدير المخابرات العامة، اللواء أحمد حسني، العلنية أمام صحافيين، عن عدم تدخل الأمن في الحياة السياسية تشجيعاً للنشاط الحزبي، إضافة إلى دعوة رئيس اللجنة، سمير الرفاعي، وهو رئيس وزراء أزيح بفعل احتجاجات شعبية عام 2011، الشباب إلى الانخراط في الأحزاب، بدت بمثابة نكتة ثقيلة الظل، ذلك أن أول ما يواجه الجميع عند الاستدعاء للمخابرات هو إثبات أنهم ليسوا أعضاء في الأحزاب، في عملية ترهيب ممنهجة مستمرة من أي حركة منظّمة أو حزبية لا ترضى عنها أجهزة الأمن الأردنية.

تحقيقات باندورا مهمة، لكن صندوق باندورا الذي يفتحه الملك عبد الله الثاني باسم الإصلاحات يمهّد لحياة سياسية مشوّهة في الأردن، وإن كان تحت السيطرة، قد يمنع المساءلة والمحاسبة، لكنه سينفجر في وجوهنا جميعاً.