28 نوفمبر 2021

إمبراطورية لا يغيب عنها "الإرهاب"

إمبراطورية لا يغيب عنها "الإرهاب"

باسل طلوزي

 

نُتّهم، نحن العرب، بأننا ماضويّون، نلوذ بالتاريخ كلما أعجزنا الحاضر. فليكن، لأنّ بعض صدمات الحاضر لا يحلّها غير التاريخ، ومن ذلك محاولتنا تفسير القرار البريطاني الصادر أخيرا، وعدّ حركة حماس منظمة "إرهابية".

ربما جاء القرار مباغتاً في توقيته، وغير مفهوم في هذه المرحلة التي تشهد نوعاً من التهدئة في جبهات القتال، ومفاوضاتٍ خلفيةً بين إسرائيل و"حماس" لعقد صفقة تبادل أسرى. ولو كانت بريطانيا اتخذت قرارها في أتون حرب "سيف القدس" قبل أشهر، لكان مفهوماً، سيما أنّ دولاً أوروبية تنطحت لإدانة "حماس" واتهمت صواريخها بـ"الإرهاب"، لكن يبدو أنّ البرودة الإنكليزية أبت إلّا أن ترافق صياغة هذا القرار الذي يبدو أنه دُبّر على مهل، وأعدّ له طويلاً في دوائر صنع القرار في (10 دواننغ ستريت)، ليجيء متزامناً مع ذكرى وعد بلفور في نوفمبر/ تشرين الثاني 1917، وليذكّرنا، نحن العرب، أنّ بريطانيا غير نادمة على هذا الوعد، بدليل أنّها ما زالت تعمل على هديه، بكلّ ما يحمله من انحياز للصهيونية، على حساب الحق العربي في فلسطين.

من هو الماضويّ، إذاً: نحن أم بريطانيا التي تدّعي الحداثة وتعيشها عندما يتعلّق الأمر بناسها وتقانتها، لكنّها سرعان ما تلوذ بالماضوية عندما يتعلّق الأمر بحقوق الشعوب التي استعمرتها أو انتُدبت عليها، كما الحال في فلسطين؟ ويزيد الطين بلّة أنّ هذا الوعد المشؤوم مضى عليه أزيد من مائة عام، ما يعني ببساطة أنّ بريطانيا مصمّمة عليه، ولن تعتذر عنه أبداً.

ولئن كانت البرودة الإنكليزية سمة جينيّة معهودة في العرق البريطاني، فإنّها لم تعد مستغربة، كذلك، في العرق العربي الذي ينتظم شرايين الأنظمة الحاكمة، تحديداً، التي استقبلت هذا القرار، كمن يشرب الشاي الإنكليزي بالثلج متمطّياً على شرفة قبالة نهر السين، فلا نظام عربيّاً أبدى احتجاجاً، أو رفع يده ليهشّ ذبابةً عن جبينه.

أغلب الظن، أنّ هذا "الصقيع" العربي حيال القرار لا يدلّ إلّا على حقيقة واحدة، قوامها أنّ القرار البريطاني نفسه لم يكن فرديّاً على الإطلاق، بل ساهمت فيه، ودفعت إليه أنظمة عربية لا تخفي عداءها الصريح ليس لـ"حماس" وحدها، بل لكلّ من يحمل بذرة عداء لإسرائيل، ولكلّ من تحمل أجندتُه بنداً من بنود "المقاومة" و"التحرير"، و"استعادة الحقوق" وهي أنظمة  معروفة ومعلومة، من طراز "المطبّعين الجدد" الذين يحاولون صبغ المرحلة العربية الراهنة بأفكارهم المنادية بالشرق الأوسط الجديد، وزواج المال العربي بـ"الذكاء الصهيوني" إلى آخر تلك المصطلحات التي يبدو أنها ستسود القاموس العربي الجديد. وليس بعيداً العداء مع حزب الله الذي صنفته دول عربية منظمة إرهابية.

نحن ماضويون بالفعل؛ لأنّ الماضي بالنسبة إلينا لم ينته بعد، فما زال بلفور يُصدر وعوده، وما زالت مرحلة الانتداب البريطاني قائمةً بأبشع ضروبها، بدءاً من الحكم بإعدام كلّ من يعثر في جيبه على رصاصة، وليس انتهاءً برعاية طبقات من الوجهاء والأثرياء والعملاء، الأزيد استعداداً للمساومة وتمرير الصفقات وإخماد الثورات، لقاء الحفاظ على مناصبهم في رئاسة البلديات والإفتاء والقضاء، وهي الطبقات نفسُها التي أفشلت إضراب العام 1936، الذي ما زال يعدّ أطول إضراب في التاريخ البشري، وهي من أسهم بإفشال ثورة شعب فلسطين، وهي الطبقات التي استحالت وتركزت أخيراً في السلطة الفلسطينية القائمة، والتي لا أبرئها هي الأخرى من دم هذا القرار، وإن أبدت اعتراضاً خجولاً عليه؛ فهي في نهاية المطاف ابنة غير شرعية لأنظمة عربية تدفعها دفعاً إلى مزيد من التنازلات والتفريط.

ربما لا نتفق مع "حماس" في ملفاتٍ كثيرة، غير أنّنا، نحن الشعوب العربية، ما زلنا مؤمنين بالمقاومة، لا يسعنا غير الذبّ عنها في مواجهة هذا القرار البائس من إمبراطورية غابت عنها الشمس، ولم يغب عنها الإرهاب.