01 ديسمبر 2021

هواجس الحرب الإقليمية المحتملة

هواجس الحرب الإقليمية المحتملة

عيسى الشعيبي

 

على خلفية دخول الذئاب الإسرائيلية على خط الأزمة المزمنة بين واشنطن وطهران، بالروح العدوانية التحريضية المعهودة ذاتها، وإثر تصريحات قائد القيادة الأميركية الوسطى، كينيث ماكينزي، عن اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي خلال أسابيع، واستعداد قواته لاستخدام بدائل غير دبلوماسية، ناهيك عن تعطيل المهمة التفتيشية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، عادت إلى الأجواء الهواجس التي توارت عن الأنظار منذ فوز بايدن برئاسة الولايات المتحدة قبل عام، وتكاثرت الأحاديث عن الخيار العسكري الذي أسقطه الرئيس الديمقراطي عن الطاولة، الأمر الذي شكّل ما يشبه عملية إحماء حربية متدرّجة.

في ظلال هذا الكلام الأميركي الجديد، عشية الجولة السابعة من مفاوضات فيينا، ازدادت درجة حرارة الأسئلة المسكونة بهواجس متطيّرة وتوقعات متشائمة، ورفعت، في الوقت ذاته، حالة التصعيد المتجدّدة في المنطقة، بحذر شديد وعلى نار هادئة، سواء بقوة دفع ذاتية تغذّي نفسها بنفسها، أو جرّاء تراكم مزيد من عوامل الجموح الكامنة والإيماءات الحربية، والشروط التفاوضية التعجيزية، المشيرة إلى تصلب المواقف، واتساع الفجوة، وحدّية الخطاب المعطوف على فيض من الاستعدادات والتهديدات المتبادلة.

ومع أن نقطة التحوّل المؤجّلة في هذا المسار التصاعدي المنضبط قد لا تحدُث عند ارتكاب أول غلطة في الحسابات، وقد لا تقع نتيجة سوء تقدير للنوايا، إلا أن المتغيرات الجارية، وضغوط الحصار الخانق على إيران، قد تعجّلان الأمر، وتُخرجان الموقف عن السيطرة، وتُمليان منطقهما على التطورات، سيما وأن الفاعلين في هذا المسار التصادمي، ممن يتصرّفون بذهنية المـأزوم، يعتقدون أنه يمكن معالجة الصدمة بالصدمة، وتسوية الأزمة المستفحلة بإنتاج أزمة أخرى موازية، شرط أن تكون محدودة في الزمان والمكان، وقابلة للاحتواء.

وعليه، لم يعد السؤال، في هذه الأجواء الملبّدة بغيوم الارتياب، هل ستقع الحرب أم لا؟ ولا حتى كيف ولماذا ستقع الواقعة؟ وأين سينفجر بركان الحديد والنار؟ وإنما متى يشتعل الأوار، وما هي التداعيات والمضاعفات؟ سيما وأن عامل الزمن ينفد، وهامش المناورة، الضيّق أصلاً أمام جميع الأطراف، يضيق أكثر، وفوق ذلك أمست كل الخيارات الممكنة أمام إيران مستحيلة، بما في ذلك خيار شراء الوقت، أو الهروب إلى الأمام بإغلاق المضائق وخطف الناقلات.

يمكن التحفظ على هذا الافتراض المتشائم، والتشكيك أيضاً بمآلات هذا المشهد المتغير بين صبح ومساء، والقول إن المنطقة لم تدخل نقطة اللاعودة بعد، وإن السير على حافّة الهاوية لعبة تفاوضية طويلة الأمد، إلا أن الحقيقة الماثلة تؤكد أن الإقليم النفطي سريع الاشتعال، الذي تحتشد فيه الجيوش والأسلحة الحديثة والادّعاءات، قد اجتاز مرحلة الكباش السياسي والعضّ على الأصابع والمكاسرة عبر الوكلاء، ودخل عملية تسخين حربي قد لا تكون مديدة، فيما الاستعصاء سيد الموقف، والأيدي على الزناد، والمتوعدون بعضهم بعضاً بعظائم الأمور في وضعية التربّص الكامل.

نحن الآن في مرحلة الحرب بالوكالة، والمعارك الهجومية بالطائرات المسيّرة، واختطاف الناقلات، والوعيد بإشعال الشرق الأوسط، الأمر الذي يشي بأن خط التصعيد قد شارف خط النهاية، وأن الطلقة الأولى باتت في بيت النار، وهي لن تكون بمبادرة أميركية بالضرورة، وإنما على الأرجح شرارة.

تبدو هواجس الحرب المحتملة أرجح وزناً وفق هذا السياق، المحكوم بإكراهات لحظة توتر كامنة، وبضرورات تتعلق بالذود عن الكرامة، وبمزاعم تتصل بالأحقية والمظلومية، فيما تتجلى، على الجانب المقابل، استحقاقات الدفاع عن مصالح الدولة العظمى الوحيدة، وتعزيز الهيبة الأميركية، وربما اختبار منظومات الأسلحة الحديثة في الميدان، واستعراض التكنولوجيات الحربية فائقة التطور، لترهيب الخصوم والأعداء والحلفاء معاً، وهي غاياتٌ يتحرّق صقور البنتاغون والجنرالات ذوو الأربع نجوم لتحقيقها اليوم قبل الغد.

تقتضي الحصافة عدم الالتفات كثيراً إلى ثرثرت المشرّعين الأميركيين المتناقضة، وعدم التعويل على فرضية أن أحداً لا يريد الحرب اللعينة، وتصديق أن الجميع يتخوّف من تبعاتها الكارثية، وأن الدبلوماسية قادرة على اجتراح الحلول في الساعة الأخيرة، فما يجري على الأرض من تحضيراتٍ لوجستية، وما يتم حشده من قوة نوعية ضاربة، ناهيك عما يدور في غرف العمليات السرية، هو ما سيفضّ الالتباسات الراهنة، ويحسم مآل التخمينات الرائجة، ويبرّر هذا الطرح المبكر، ربما، عن حربٍ إقليميةٍ لا رادّ لها.