05 ديسمبر 2021

شركاء صباح فخري

شركاء صباح فخري

خطيب بدلة

 

 

أطلق بعضُ النقاد على الفنان سامي الصيداوي لقباً كبيراً: مؤسس الأغنية اللبنانية. أما عن بداياته؛ فقد تقدّم، في أواسط الأربعينيات، إلى الإذاعة اللبنانية، بأغنية "يا جارحة قلبي" التي ألفها ولحنها على السليقة، ولم يكن يعلم ما اسمُ مقامها وإيقاعها... وكان قائد فرقة الإذاعة في ذلك الحين الفنان محيي الدين سلام الذي أعجب بالأغنية أيّما إعجاب، واقترح أن يعطيها لابنته نجاح التي كانت حينئذ مطربة ناشئة، وكانت الانطلاقة الأولى لنجاح سلام بتلك الأغنية. وفي 23 يونيو/ حزيران 1992، كرَّمت كليةُ الفنون في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، الأستاذ صباح فخري، إذ اعتبرت أسلوبَه في الأداء مرجعاً معيارياً للغناء التقليدي العربي. وعلى إثرها أجرى معه سعد الله آغا القلعة مقابلة مطولة، تحدّث فيها عن بداياته في عالم الاحتراف، فقال إنّه في الرابعة عشرة من عمره، سنة 1947، رافق الفنان سامي الشوا في جولة شملت حلب وحماه وحمص، اختتمت في دمشق، حيث غنّى، بحضور رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي "يا جارحة قلبي" التي كانت مشهورة، وقال إنّها من ألحان سامي الصيداوي.

لصباح فخري موّال شهير، كتب كلماته الشاعر أنطوان شعراوي، جاء في مقدمته: قالوا حبيبُك محمومٌ فقلتُ لهم/ إنّي امرؤ صادق لا أعرف الكذبا/ أستغفر الله عن ذنب شقيتُ به/ أنا الذي كنت في حُمَّائه سبباً... هذا الموال غنّاه في ما بعد، العراقي يوسف عمر، واشتهر به. وهناك قصيدة الشاعر مسكين الدارمي: "قل للمليحة في الخمار الأسود" التي يغنّيها صباح فخري وناظم الغزالي، كلٌّ بأسلوبه، وعلى طريقته. وثمّة أغانٍ أخرى كثيرة يشترك فيها صباح فخري وناظم الغزالي؛ منها: فوق إلنا خل، وطالعة من بيت أبوها التي غناها كاظم الساهر أيضاً.

نذر صباح فخري تجربته الغنائية لحفظ التراث الموسيقي والغنائي العربي، واشتغل على تحديثه وتطويره.. هذا ما يقوله النقاد، ويؤكده صباح في أكثر من حوار معه، الأمر الذي جعله يتقاطع مع الأخوين رحباني اللذين اشتغلا على تدوين التراث الغنائي السوري في الخمسينيات، بمساعدة المطرب السوري معن دندشي... من هنا كانت الأغاني التراثية المشتركة بين فيروز وصباح فخري كثيرة؛ بَرْدا بردا، وعَ الروزنة، ويا مال الشام، والأخيرة وضع الرحبانيان على قدّها كلماتٍ أخرى، فأصبحت يا مَن يحن إليك فؤادي، وأما أغنية "يا ويل حالي أخدوا حبي وراحوا شمالي" فقد جعل الرحبانيان مطلعَها "غرب هودجها وتعانقنا"، وأما صباح فيقول: "تحت هودجها وتعالجنا".

وعلى الرغم من اختلاف أسلوبي صباح فخري والأخوين رحباني، إلّا أنّ الطرفين اشتركا في تقديم معظم أغاني أبي خليل القباني (1833- 1903) وموشّحاته (من دون أن يشيرا إلى ذلك مع الأسف)، فقد غنّيا "صيد العصاري"، و"يا مال الشام"، و"يا طيرة طيري يا حمامة"، و"مالك يا حلوة مالك"، و"النبي يما تعذريني"، و"يا مَن لعبت به شمول"، و"بالذي أسكر من عذب اللمى"، و"يا غصن نقا مكللاً بالذهب"... وإن كان الرحبانيان وفيروز قد أعادوا صياغة أغنية منيرة المهدية "البنت الشلبية" فإنّ صباح فخري نسج على منوالها أغنية "العزوبية، طالت عليَّة".

غنّى صباح فخري من ألحان أمين الجندي "تيمتني هيمتني" ومن ألحان بكري كردي "إبعت لي جواب" كلمات حسام الدين الخطيب، ولعمر البطش "يا فاتن الغزلان" وكان مولعاً بالشيخ سيد درويش، فغنّى له "أنا عشقت" و"ضيعت مستقبل حياتي" و"بهجة الروح" و"يا شادي الألحان" و"يا غصين البان" و"زوروني كلّ سنة مرّة" و"طلعت يا ما أحلى نورها".

يمكننا أن نعتبر هؤلاء الكبار، كسيد درويش، وعمر البطش، وفيروز والرحبانيين، وصباح فخري، وناظم الغزالي، الأعمدةَ الأساسية للغناء التراثي الشعبي. ولعلّ صباح فخري هو الأكثر دراسةً لهذا التراث وتعمّقاً فيه، وإنتاجاً لم يتوقف على مدى ثلاثة أرباع القرن، رحمه الله.