05 ديسمبر 2021

نزع السحر عن التجربة الفلسطينية

نزع السحر عن التجربة الفلسطينية

سمير الزبن

 

كتب الصديق عماد أبو حطب (سامر عبد الله)، قبل فترة، شذرات من تجربته مع العمل الفدائي الفلسطيني، تعود إلى المرحلة اللبنانية، والتي تُعتبر الفترة الذهبية في عمر هذه التجربة التي انتهت باجتياح إسرائيلي لبيروت العام 1982، وخروج الفصائل الفلسطينية من لبنان، بعد أن تعذّر إبعادهم عن إسرائيل في الاجتياح الجزئي للجنوب اللبناني في 1978.

عالجت الشذرات فترة حرب 1982 وما قبلها، ولأنّ عماد كان قريباً من قيادة الجبهة الديمقراطية في أثناء حصار بيروت، فقد تطرّقت هذه الذكريات إلى قضايا تمس هذه القضايا لناحية الأداء المخزي، وتمسّ العمل الفدائي والكوارث التي ارتكبت تحت اسمه. لا تريد هذه المقالة التطرّق لما كتب عماد، بل لردّة الفعل على هذا النوع من الكتابة النقدية، فقد رأى كثيرون ممن علقوا على هذه الكتابات أنّها تدعو إلى الإحباط واليأس، وتشوّه التاريخ الفلسطيني المشرف، فتوقف عماد الخجول عن الكتابة في هذا الشأن.

شغل عماد (سامر) موقع مدير التحرير في مجلة الحرية، الناطقة بلسان الجبهة الديمقراطية سنوات طويلة، كما كان عضواً في لجنتها المركزية، ثم انشقّ عنها مع تيار ياسر عبد ربه، تحت أوهام "التجديد والديمقراطية" وهو شعار الانشقاق الذي ولد في سياق مراجعة التجربة اليسارية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية (ليس لهذا علاقة بالانشقاق الذي أساسه، كما أعتقد، التحاق عبد ربه نهائياً بياسر عرفات، ويبدو أنه كان مكلفاً بمهمة الانشقاق، الذي دعمه عرفات) في المؤتمر الانشقاقي، والذي عقد في عمّان 1991، تم انتخاب لجنة مركزية، جاءت النتائج لتقول، إنّ عماد أبو حطب جاء في المرتبة الأولى وحاز إجماع الأصوات، وجاء عبد ربه، في المرتبة الثانية بفارق صوت. حجب أحد أعضاء المؤتمر صوته عنه، لأنه تعامل مع الجميع بتعالٍ مرضي. جنَّ جنون عبد ربه، وخبط على الطاولة، وهدّد بالانسحاب. التفّ الأزلام حوله لإرضائه، أعادوا فرز الأصوات، وزوّروا النتائج، وأعطوه أعلى الأصوات. حقد ياسر الذي يعرف أنّ النتائج الأولى هي الحقيقية على عماد (سامر) باعتباره هو الذي حجب صوته عنه في تلك الانتخابات. لا أحد يستطيع إقناع عبد ربه أنّ من حجب الصوت عنه ليس عماد. مؤكد أنّ من فعل ذلك ليس عماد، ولا صاحب هذه السطور الذي كان شاهداً على الواقعة (بصفتي للأسف عضواً في المؤتمر الانشقاقي، وكنت فترة قصيرة جزءاً من هذه التجربة). ومن حجب عنه شخصٌ في غاية الدماثة وصاحب قناعات قوية، وهو أحمد سعود عوض.

انتخب عماد / سامر عضواً في المكتب السياسي للفصيل المنشق، ولأنّ عبد ربه اعتبره سبب مهانته، اعتمد سياسة المضايقة دافعاً عماد (سامر) إلى الانسحاب من الجبهة ومن العمل السياسي الفلسطيني. وبقية القصة معروفة، عندما لم يبقَ للانشقاق أي دور، التحق عبد ربه بياسر عرفات شخصاً تابعاً، وترك الفصيل الذي أصبح يحمل اسم "فدا" لا لون له ولا رائحة، يعيش بفضل الكوتا المالية المخصصة له من الصندوق القومي الفلسطيني.

التفاهات من النوع السابق عابرة لجميع الفصائل، كما البطولات أيضاً، فالتجربة النضالية الفلسطينية غنية ببطولات استثنائية، حملت التجربة الفلسطينية إلى ذروتها، وكان هؤلاء الأبطال بشراً من لحم ودم، لم يكن أيٌّ منهم أسطورة أو ملاكاً. ولأنهم كذلك، كان إلى جانبهم في التجربة كل أنواع البشر؛ انتهازيين، ومستفيدين، وأزلام أنظمة عربية، وجواسيس من كلّ نوع. لم تكن التجربة الفلسطينية تجربة في الشروط المثالية لإنتاج ملائكة صنعوا تجربتهم من السحر الخالص. لذلك يجب دراسة التجربة بوصفها تجربة بشر، وهذا يحتاج نزع السحر عنها. ولا يعني نزع السحر جلد الذات، واتهامها بالتقصير في كلّ شيء، بل يعني قراءة التجربة في شرطها الإنساني التاريخي، حتى تُعطى ما لها وما عليها. أما إبقاء إخفاقات التجربة مخفية تحت لمعان سحر التجربة، والتي تم تصويرها استثناءً عن التجربة البشرية، فهو مضرٌّ بالتجربة التي لم تنتهِ بعد. لأنّ إضفاء السحر هذا، رفع التجربة الفلسطينية فوق أيّ نقد من أيّ نوع، باعتبار أنّ النقد إما يخدم العدو، أو يدفع الشعب الفلسطيني إلى اليأس من التجربة ومن المستقبل.

يضغط التاريخ على المستقبل دائماً، ونحن نعيش ما نعيشه، لأنّنا مررنا بالتجربة التاريخية المتراكمة التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه. وفي هذه التجربة ما هو موضوعي، أي وقائع معطى خارجي فُرضت علينا. وفيها ما هو ذاتي أيضاً، وهذا ما نستطيع التحكّم به، والعمل على تطويره، لجعله أكثر تكيّفاً مع الشروط القاسية التي تمر بها التجربة. وحتى نستطيع القيام بهذا الأمر على أفضل وجه، علينا أن ندرس التجربة الفلسطينية باعتبارها إنسانية، فيها من الأخطاء والخطايا ما جعلها تصل إلى الدرك الذي وصلت إليه.

الادعاء الفلسطيني بالتفوق على المحيط، واحتكار موقع الضحية، التي فوق أي نقد، شكل عقبة كأداء في فهم التجربة الفلسطينية ودراستها، بوصفها تاريخاً للبشر الذين ناضلوا وحققوا ما حققوه. وهو، في الوقت نفسه، تاريخ للهزائم التي تعرّض لها هؤلاء البشر، وهم يخوضون تجربتهم في سبيل الحصول على حقوقهم.

ليس من الغريب ألّا يستطيع الفلسطينيون توصيف حالهم اليوم، والمتابع خطاب الفصائل الفلسطينية، بكلّ أطيافها، يدرك أنّ ما تقوله هذه الفصائل التي تحتل مركز العمل السياسي الفلسطيني هو خطاب رغبوي، لا علاقة له بالواقع الموضوعي، ينهزم أمام أول اختبار أو صدام. ولأنّ الفلسطينيين حالة خاصة في التاريخ وفي جغرافيا المنطقة، فإنّ المفردات الموضوعية لتحليل الواقع لا تنطبق عليهم. من أجل ذلك، علينا أن نتطيّر، المرّة بعد الأخرى. كم من المرّات قالت الفصائل إنّ إسرائيل تتفكك، وهي على وشك الانهيار، في الوقت الذي تتحسّن أوضاع إسرائيل في كلّ مجال، ويسوء وضع الفلسطينيين في كلّ مجال؟! ولرؤية الواقع الموضوعي على حقيقته، يجب استخدام أدوات تحليل غير رغبوية، وما يتطلبه هذا هو نزع السحر عن التجربة. وأولها أن نعطي الحق للأم أن تبكي ابنها الشهيد حزناً عليه، لا أن تزغرد فرحاً باستشهاده .. أن نعيد إلى البشر إنسانيتهم.