05 ديسمبر 2021

الطائفية والتطبيع في خدمة إسرائيل

الطائفية والتطبيع في خدمة إسرائيل

 

لميس أندوني

 

لا يمكن للتطبيع العربي - الإسرائيلي أن ينجح من دون شرطين: تشويه الوعي الجمعي في العالم العربي، فنرى انتشار ادّعاءات كاذبة، غرضها فصل القضايا العربية، من النضال من أجل الحريات والتقدّم والعدالة الاجتماعية عن الالتزام بالقضية الفلسطينية. وسيادة الطائفية والمذهبية والعنصرية التي تؤدّي إلى تفتيت المجتمعات العربية.

ليست الخطابات المشوّهة أمراً جديداً، لكنّ انتشارها أخذ منحىً جديداً في العقدين الماضيين، لكنّه أصبح أكثر علانية وصراحة بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل ودولة الإمارات، أي أنّ الحدث الذي كنا نسمعه بين الفينة والأخرى عن فصل القضية الفلسطينية عن أولويات العرب وغير العرب ممن يشكلون النسيج الاجتماعي للدول العربية خرج إلى السطح وبقوة. لكنّ جوهر الخطاب المشوّه بدأ في مقولات إنّ أصل اللبنانيين (المسيحيين خصوصاً) فينيقي، وبالتالي لا علاقة لهم بالعالم العربي، وأخذ صوتاً أعلى عشية اتفاق كامب - ديفيد بين الدولة الصهيونية ومصر في عام 1979، في ادّعاءات مماثلة أنّ أصل المصريين فراعنة، وبالتالي لا علاقة لمصر بالعالم العربي وقضاياه، وتبعه تسلّل ادّعاءات أخرى أنّ القضية الفلسطينية تعرقل النمو والازدهار في العالم العربي.

يحقّ للشعوب أن تفتخر بتراثها وتاريخ حضارتها، فينيقية كانت هذه الحضارة أو فرعونية، فهذه جزء من تراثنا جميعاً، لكنّ المقولات لا تعبر عن افتخار بالأصالة والتراث، بل بتفتيت الوعي الجمعي، فتصبح الدولة الصهيونية عدواً لمجموعة واحدة فقط، هي الفلسطينيون، وكأن إسرائيل دولة أصيلة في المنطقة، ليس لديها مشروع استيطاني وطموحات الهيمنة على المنطقة، والتي تنفذها ليل نهار في العلن، من دون اكتراثٍ بمصالح شعوب المنطقة، بغض النظر عن تنوع تراثهم التاريخي أو حتى الإثني أو العرقي.

كان المطلوب دائماً تهديم وحدة الشعوب العربية، خصوصاً في فترة النضالات ضد التحرّر من الكولونيالية، وتفكيك أي رابطٍ مشترك بينها، إذ إنّ أحد أهداف ما سميت اتفاقيات السلام الثنائية، إن كانت تحديداً لفترة انتقالية تحوّلت إلى حقائق على الأرض، مثل "أوسلو"، أو معاهدة مثل كامب - ديفيد ووادي عربة مع الأردن، كان دمج إسرائيل في المنطقة، واعتبارها دولة أصيلة من خلال قبول شعبي ورسمي ليس بوجودها فحسب، بل بمشروعها الصهيوني أيضاً. لكنّ إسرائيل فشلت في اختراق المجتمع العربي، أو على الأقل ظل الاختراق محدوداً جداً، حاولت الانتقال من "السلام البارد" إلى "سلام دافئ" لا يقتصر على الحكومات بل الشعوب العربية، لكنّها سعت ونجحت بدعم أميركي في عقد اتفاقيات مع دولٍ لا تجاورها، وبعيدة عن تأثير جرائمها، مستفيدة من تغييب للقضية الفلسطينية في المناهج والبرامج التلفزيونية، ومن انغماس المجتمعات بثقافة الاستهلاك والسعي إلى الاندماج بقشور الحضارة الغربية، فغياب الوعي، وسيطرة المصالح الفردية، يولدان شعوراً بالدونية، فبدلاً من النهل من العلوم والأدب العالمي، لا يرى الفرد سوى دونيته مقابل الغرب الحضاري.

هذه ليست دعوة إلى الانغلاق، فالاستمتاع بالأغاني الغربية ومظاهر الرقص والفرح وإقامة المهرجانات والحفلات مظاهر جميلة، لكن المشكلة في عدم ربط ذلك كله بوعي يجعل المواطن يعتز بحضارته ويحسّ بقيمته، ويرفض الدونية مرفقاً ذلك بانفتاح على التراث والإنجازات الإنسانية، وهذا كله لا يتعارض مع الالتزام بقضايا التحرر ورفض التبعية، فرفض التبعية لا يعني عدم تذوّق الموسيقى الغربية والدراسة في الغرب فهم المدارس الفكرية والثقافية في العالم.

أسوق ما تقدّم، لأنّنا أصبحنا نواجه خطاباً يقلّص الخطاب التحرّري إلى انغلاق أو "تخلف". وبالتالي، تصبح القضية الفلسطينية جزءاً من "التخلف" لأنّ الالتزام بها يعني علاقة عدائية بالغرب، بدلاً من جزءٍ من نضالٍ تحرّري للهيمنة، فالخطاب التحرّري يعادي السياسات الاستعمارية التي تنهب مقدرات الشعوب، ولا يعني معاداة الثقافات العالمية.

هنا يجب أن نعترف أنّ جزءاً كبيراً من المشكلة تتحمّل الدول مسؤوليته، في التعليم والتعلق بمفهوم حجري جامد ومتزمت. وللمشكلة بعدان: فشل النظام العربي بالاعتراف بحقوق المواطنة للعرب وغير العرب، ممارسة التمييز، وحتى قمع الأقليات المختلفة في بعض البلدان العربية. ترسيخ مفهوم مشوّه للتراثين، الديني والعربي، أو فهمهما خارج سياق العصر، ما أنتج التزمت والعنصرية والتمييز والقتل على الهوية، فقد يكون تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ممولا من أجهزة استخبارية وعربية، لكن يجب أن نواجه حقيقة جذور التزمت والعنصرية في مجتمعاتنا. ذلك أنّ عدم الوقوف بشجاعة أمام المفاهيم العنصرية يجعلنا مسؤولين، بدرجات متفاوتة، عن المساهمة في تنفيذ ما تعمل عليه إسرائيل، فتشظي المتجمعات وفقا لخطوط وهمية تصبح خطوط كراهية، مبنية على الهوية الدينية أو المذهبية أو العرقية أو حتى "القُطرية"، هي الأخطر للمجتمعات التي تجعلها فريسة للتدخل الخارجي من الأنظمة المستبدة والاستعمارية. نستطيع أن نقول إن "داعش" والتنظيمات المتطرفة من صنع إسرائيل، لكننا لم نواجه بشجاعة طبيعة جرائمها التي تتغطى بالدين، فيما هي أكبر إساءة للدين الإسلامي من أي إهانة يوجهها عنصري تافه في الغرب، سياسيا كان أو فنانا أو كاتبا.

لا ننكر هنا دور الولايات المتحدة وبعض الدول العربية في دعم انتشار حركات إسلامية متزمتة ومتطرفة ومنغلقة، وتوظيف "الإسلام" ضد المدّ الشيوعي، خصوصاً في أفغانستان، لكننا لم نخرج من تبعات ذلك الفكر، بل ونكاد نغرق فيه، حتى أصبح من يعارضه متهما بالعداء للأمة العربية، وحتى القضية الفلسطينية. يجب أن نعترف بأنّ ذلك أضرّ بالقضية الفلسطينية، وأعطى ذريعة للغرب بالتدخل تحت مسمّى "مكافحة الإرهاب". وقد استغلت أميركا بشكل خاص "الحرب على الإرهاب" لنشر الإرهاب والذعر وتحويل الأنظار عن القضية الفلسطينية، وموجهة ضربة إلى النضال من أجل الحريات في العالم العربي. ولكن جرائم تلك الجماعات أشاعت الخوف والرعب عند الأقليات وغير المسلمين، فأصبح الخوف الطائفي والإثني عامل تفكيك للمجتمع، واحتساب "تزمت" المجتمع العربي وليس إسرائيل هو العدو، فعندما تكون الأقليات هدفا لمجازر ترتكب باسم الدين، من دون أن تُواجه ادّعاءات هذه التنظيمات بشجاعة، لا يصير مستغرباً حينها إذا نجحت إسرائيل في اختراق الأقليات، وهنا لن يكون الضحايا من الأقليات فحسب، بل من المسلمين أيضاً، وهذا ما نراه يحدث أمام أعين الجميع بوضوح، خصوصاً أنّ بعض من يتصدّون للتطرّف الديني أصبحوا هم أنفسهم لا يرون عدواً اسمه إسرائيل. فليس مستغرباً أن يساوي بعضهم بين مكافحة التطرف الديني وضرورة فك الارتباط مع القضية الفلسطينية. قد يكون الواحد من هؤلاء مخدوعاً، لكن، ثمّة تيار يتبنّى هذا المنظور، تشجّعه وتموّله الإدارة الأميركية ومؤسسات أوروبية، باسم نشر حقوق الإنسان ومعاداة التطرّف، وهي ترى، ضمناً أو صراحة، الحديث عن القضية الفلسطينية شكلاً من التطرّف، لكنّ ذلك لا يلغي ضرورة مواجهة التطرّف بخطاب نقدي، للمشكلات في المجتمع العربي، وتحرّري في آن.

... هذا حديث يطول، لكنّ التصدّي للتطرّف والاستبداد لا يتعارض مع الالتزام بالقضية الفلسطينية، بل إنّ من الضرورة أن يتوازى مع مواجهة إسرائيل، ولا يمكن دعم الفلسطينيين من دون النضال من أجل الحرّيات.