12 ديسمبر 2021

الخيال الأحول في فيلم "أميرة"

الخيال الأحول في فيلم "أميرة"

 

سامي أبو سالم

 

كنت في مهمة صحفية برفقة صحفي أوروبي. توجهنا لمنزل أسير أنجبت زوجته بنطفة مهربة، التقينا بعائلة أسير، كانوا فرحين بالمولود الجديد. طرح الصحفي الأوروبي عدة أسئلة عن أهمية العملية والهدف منها، بقي السؤال الأخير وهم الأهم، بل ويبدو أن رحلة الصحفي من أجله:

كيف تأكدتم أن النطفة من الأسير؟ ألا يوجد مجال للخطا؟ قرأت وجه أم الأسير وزوجته قبل أن استمع لاجابة السؤال الحساس، كانتا في منتهى الثقة والهدوء وهداة البال... ابتسمت الأم بهدوء وقالت [النقل هنا ليس حرفيا ولكن خلاصة الجوهر]:

"أنا نقلت النطفة بيدي خلال زيارة ابننا الأسير وهناك شهود من عائلتنا ومن عائلات أسرى آخرين في نفس الزيارة، انتقلتُ والشهود من السجن بنفس الحافلة إلى غزة، وتوجهنا من حاجز بيت حانون فورا إلى مركز طبي وجرت عملية الفحص والتلقيح بعد تأكيد الشهود الذين رافقوا النطفة، ولو غابت النطفة عنا جزء من الثانية لتم استبعادها فورا، وهناك أكثر من واقعة قبل ذلك، غابت النطفة لثوان معدودة خلال تفتيش روتيني فتم استبعادها..."، وهناك تفاصيل مثيرة أخرى تبقى هامشية بجانب توثيق عملية النقل.

لا أناقش فيلم "أميرة" نفسه ولا الحبكة الدرامية ولا غيره، فليس من حقي ذلك دون أن أشاهده كاملا، لكن بعد تجميع عشرات المقالات والمقابلات ومقاطع فيديو متعلقة به تكونت رؤية في جزئية تهريب النطفة فقط، التي تحكي أن طفلة فلسطينية ابنة أسير فلسطيني أُنجبت بنطفة مهربة من السجن فتكتشف أن النطفة لضابط اسرائيلي!=

إذا كان موقف القائم على العمل أن الفيلم "روائي وليس وثائقي" فهذا صحيح، ويعرف القراء والمشاهدون الفرق بينهما، يعرفون أن الروائي هو من خيال الكاتب، وأيضا يعرفون أن كثيرا من الأعمال الأدبية والفنية مستوحاة وتُبنى على قصص واقعية "based on true story"، فيتم معالجتها سينمائيا (مع توابل فنية) من المؤلف والمخرج، فتخرج وكأن الرواية بمجملها واقعة فعلا يخرج منها المشاهد وكأنه شاهد عملا تاريخياً! ويتم تداولها على هذا النحْو.

ونستحضر نموذجا عمليا واحدا هنا؛ رواية "زمن الخيول البيضاء" لإبراهيم نصر الله، تناول فيها الكاتب حقبة تاريخية هي النكبة وما قبلها، صحيح هي عمل روائي لكنه قبل أن يكتب قرأ مذكرات وأبحاث وبحث بعمق وسجل شهادات لشهود عيان عاصروا النكبة وما قبلها، كما يقول في المقدمة، فخرج بعمل رصين يتناول واقعا في عمل أدبي. لكن في روايته "حرب الكلب الثانية" انطلق بخياله بلا حدود وفازت الرواية بجائزة البوكر للرواية العربية 2018.

وهنا نعتقد أنه كان الأجدر بفريق العمل البحث بعمق والقراءة والاقتراب من الأسرى وعائلاتهم كي يضعوا عملا لا يشكل إهانة لآلاف الأسرى، ولعائلاتهم وللنضال الفلسطيني، سواء بقصد أو غير قصد.

وهنا يبرز تساؤل، أثاره الشاعر خالد جمعة، هل "الخيال" مطلق؟و أين تنتهي حرية الفن؟ طبعا لا حدود لها ولا ضوابط مكتوبة لكن تبقى ضوابط "تتعلق بالضمير الوطني العام، بالقضايا التي تمس أوتارا حساسة في قضايا وطنية كبرى"كما قال.

ونكرر هنا: هل يحق لأي مؤلف أن يشطح بخياله ويمس بشريحة من البشر (بغض النظر عن هويتها) تحت شعار حرية الخيال؟ حتى ولو وصل إلى حد التشكيك في النسب والمس بمفاصل ثقافية ونضالية؟!

لا نصدق الحرية التي يتغنى بها الممول، سواء جهة عربية أو غربية، فهل يجرؤ مؤلف أو مخرج أن يطلق العنان لخياله (الأحول) للمساس – على سبيل المثال- بشريحة دينية أو قومية مرتبطة بالاحتلال الصهيوني؟ أم أنه سيجابَه بغول "اللاسامية" ومنع التمويل ومنع الظهور على وسائل الاعلام كما جرى مع روجيه جارودي؟ وبشكل واقعي أكثر، هل يجرؤ خياله أن يفكر في وضع فيلم يتناول تَنْصيب عائلة بعينها لتحكم شعبا وتتحكم في آبار نفط لدولة بأكملها في اطار صفقات سياسية؟ أم أن الفلسطيني هو "الحيطة الواطية" للطعن فيه في الواقع والخيال أيضا؟

وهل يوافق الممول على تمويل فيلم (حتى لو وثائقي وليس روائي) يطعن في رواية أن جميع اليهود في العالم من نَسَب واحد بغض النظر عن العرق واللون؟ رغم أن العلم يثبت أن لا علاقة للجينات بالديانة التي ممكن تبديلها؟ وهل يوافق الممول على تناول قصص خيانة بعض اليهود لأبناء جلدتهم وتعاونهم مع الفوهرر خلال الحرب العالمية الثانية كما أثبتت الأبحاث العلمية ومنها أطروحة الدكتوراة التي وضعها الدكتور محمود عباس (أبو مازن) في جامعة موسكو؟

ثم لماذا يغضب القائمون على الفيلم من الانتقاد؟ فاذا كان من حقهم (افتراضا) أن يشطحوا بخيالهم بلا حدود لاخراج عمل "إبداعي" مموّل من جهات لا أعلم من هي، فمن حق المعلقين أن يشيدوا أو ينتقدوا العمل، ومن حقهم الاعتقاد- وبدون تمويل- أن الفيلم جزء من مكنة إعلامية مدروسة انطلقت مؤخرا للتشكيك والتبخيس في النضال الفلسطيني (حتى من قبل 1948) لنزع "القداسة" والتضامن الشعبي العربي- وغير العربي- مع الشعب الفلسطيني كتهيئة أجواء لتمرير صفقات سياسية تصب في صالح إسرائيل!