30 ديسمبر 2021

في ذكرى الانطلاقة

في ذكرى الانطلاقة

الكاتب: مروان اميل طوباسي
مع بداية العام الجديد وفي ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ، أقول كل عام ونحن اقرب إلى الحرية ، وعلى أمل أن يتحقق عام جديد تنعمون فيه أنتم والوطن والبشرية جمعاء بالصحة والسلامة والأمن والسلام والتخلص من وباء أدمى القلوب ومن أشكال أستعمار وأحتلال وأضطهاد وأستغلال قبيح ما زالت تسود بهذا العالم المتغير .
سبعة وخمسون عاماً مضت من عُمر "فتح" ومن عُمر جيلنا وعُمر حركتنا الوطنية الفلسطينية ولا زالت الثورة المعاصرة مستمرة لانها كانت أول الرصاص وأول الحجارة ، ولأن المُحتل ما زال يُمعن في تنفيذ مشروعه الاستيطاني الغاصب على تراب وطننا الذي لا نملك سواه وعلى حساب أصحاب الأرض الأصليين.
مسيرة بها الكثير من المعاناة والالم والتضحيات ، لكن بها أيضاً الكثير من الإنجازات والانتصارات رغم تعقيدات المشهد المتراكمة منذ عقود .
حركة كان لها الفضل بإبقاء الأمل للشعب والأجيال ، حين أعادت لنا بانطلاقتها روح الهوية الوطنية بالبندقية المقاتلة والكلمة الثائرة ، فصمدت في عواصم عدة وفي ساحات مختلفة وأعلت اعلان الاستقلال وأشعلت انتفاضات الوطن ، لتُبقي على القدس درة التاج ولتكرس المقاومة الشعبية ولتؤكد على رؤية السلام الحقيقي العادل بالدبلوماسية المقاومة وعلى القرار المستقل.
" فتح " هي الفكرة وهي الأداة في التعبير عن روح الشعب الفلسطيني وتعدديته الفكرية في انطلاقته المتجددة والمستمرة نحو حريته واستقلاله وتقدمه الاجتماعي ، وهي العصية على الكسر منذ انطلاقتها ، وهي المظلة لابناء شعبنا والحاضنة لكافة أبنائها ، وهي التي جسدت وما زالت جوهر البرنامج الوطني للكيانية الفلسطينية والهوية الوطنية المستقلة، فحافظت عليها باحلك الظروف بأشكال الكفاح المتعددة التي اقتضتها المراحل باستقلالية وطنية جامعة ومميزة بمكوناتها الفكرية المختلفة التي عكست تنوع مجتمعنا وشعبنا الفلسطيني ، فكانت هي حركة الشعب الفلسطيني التي مزجت بين العمل الفدائي والسياسي والجماهيري ، وهي التي اكدت على مقولة أن الدين لله وأن الوطن للجميع .
"فتح " هي من حملت القضية الوطنية الفلسطينية عبر ٥٧ عاما مضت ، فكانت مَن حرر الفلسطيني من حالة الوصاية والسلبية والاحباط التي سادت بعد جريمة النكبة عندما كانت القضية تتركز فقط حول معنى إنساني يتعلق بنا كلاجئين ونقلتها الى قضية شعب له حقوق وطنية سياسية ، فسارت "فتح" مع شعبنا من رماد النكبة الى جمر الثورة حتى يومنا هذا.
" فتح " هي مسيرة الشهداء والأسرى التي تطول سيرتها ، وهي صمام اَمان القرار الوطني المستقل عبر سنوات المسيرة والكفاح والتضحيات ، هي الفكرة الفلسطينية الواقعية التي جسدت معاني العمل الثوري الوطني بعمقه الإنساني التحرري والتقدمي باستقلالية وطنية جامعة ومميزة ، فحملت شعلة حركات التحرر العالمية ضد الاستعمار وأشكال الاحتلال المختلفة ، وهي التي ما زالت تشكل العمود الأساسي الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية نحو انجاز أهدافها مع شركاء المصير في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ، ذلك البيت الجامع للكل الوطني الفلسطيني ومجتمعه المدني ، المنظمة التي قدم شعبنا التضحيات من أجل وحدانية تمثيلها أمام كل المحاولات الفاشلة لخلق البدائل ، فنالت الاعترافات الأممية واخترقت المحافل الدولية بغصن الزيتون في يد والبندقية في يد أخرى لتحافظ على عدم سقوط غصن الزيتون وتحقق مكانة فلسطين بالامم المتحدة على طريق الاعتراف الكامل بالدولة ونحو حق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال الاستيطاني البشع وتحقيق ثوابت شعبنا.
مسيرة ثورة لم تكن كغيرها من الثورات العالمية بتعقيدات الظروف وسرعة المتغيرات السياسية وتبدل التحالفات الإقليمية وحجم المؤامرات عليها دون قواعد ارتكاز ، حركة أرست قواعد الاستمرار وقيم الوحدة الوطنية كي تستمر وتتقدم بشعبنا الى الأمام .
فشرارة الانطلاقة أنتجت ثورة لن يشهد التاريخ الحاضر تكرارها ، لتنطلق بعدها فصائل وقوى أخرى تشق الطريق لتعاصر الثورة وتقاتل من خلالها وتقدم الشهداء والاسرى والتضحيات معاً بمعارك الصمود والدفاع عن القرار الوطني في مختلف الساحات ، وكما قال الشهيد المناضل غسان كنفاني " لقد استطاعت "فتح" برصاصة واحدة ان تجمع حولها عامة الشعب الفلسطيني" .
ورغم ان البعض توهم ان السلطة الوطنية هي نهاية المطاف ، الا ان "فتح" ومعها كل الحركة الوطنية الفلسطينية ارست قواعد بناء الدولة وجسدتها على الأرض رغم التحديات الجسام ، واكدت ان السلطة الوطنية هي محطة على طريق الدولة المستقلة ، فاستمرت "فتح" لتؤكد انها لازالت حركة تحرر وطني وان كفاحنا من اجل دحر الاحتلال والاستيطان ومن أجل الحرية والديمقراطية والدولة المستقلة مستمر ولن يتوقف حتى تتحقق لشعبنا العدالة برفع الظلم التاريخي الذي حل به منذ النكبة ، فكانت "فتح" هي الديمومة وما زالت الشعلة .
في الذكرى ال ٥٧ أقول لأجيال "فتح " وأبناء شعبنا كافة ، حركتكم صنعت حضناً وطنياَ جامعاَ ومجداً ، فحافظوا عليه وحافظوا عليها واستمروا في حمل أمانة الفكرة ووطنية جوهرها وانسانية عمقها ، كرسوا منهج العمل الديمقراطي فيها وحافظوا على فكرها التقدمي الملازم لمسيرتها منذ الانطلاقة دون جرها الى تنافس في مربعات قوى أخرى من أصحاب الفكر الديني السياسي ، حتى نستطيع أن نحقق مع الكل الوطني النصر ونجسد مبادئ اعلان الاستقلال وجوهره وفكرة "فتح " التحررية التنويرية التي انطلقت من أجلها من رماد تلك المرحلة .
لقد أدركت "فتح" أننا نعيش في عالم صعب ومعقد تحكمه علاقات المصالح للدول والقوى ونظام عالمي لا تسوده العدالة ، كما أدركت انه عالم متغير علينا أن نؤثر فيه باستنباط أشكال الصمود والعمل الدولي والمقاومة الشعبية واستقطاب الأصدقاء من احرار العالم وقواه الديمقراطية التقدمية حتى نكون قادرين على توسيع شبكة تحالفاتنا مع جماهير تلك القوى حتى تؤثر في سياسات حكوماتها ، والتقدم نحو الرؤية والهدف في ظل سرعة المتغيرات السياسية الجارية التي لا تقبل شعوب العالم باستدامة سكونها دون انتصار حرياتها وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية وإشاعة العدالة لها ، وتاكيد رفضها لاستمرار إسرائيل كدولة احتلال استيطاني فوق القانون الدولي وكنظام فصل عنصري تفرض فية الفوقية اليهودية .
فكل عام والوطن والشعب وأحلام الشهداء والأسرى بألف خير ، عاشت الذكرى ولنعمل من أجل أن تكون الأيام القادمة هي أجمل الأيام لشعبنا وشعوب العالم الصديقة.