30 إبريل 2022

يلا نحكي: إضراب المعلمين عقابٌ لأبناء الفقراء

يلا نحكي: إضراب المعلمين عقابٌ لأبناء الفقراء

الكاتب: جهاد حرب
مما لا شك فيه أن مطالب المعلمين والمعلمات شرعية ومحقة وحاجة ضرورية للنهوض في مكانة المعلم وفي تحسين أوضاعه التربوية والمالية التي تنعكس ايجاباً على التطور البيداغوجي في التعليم العام "الحكومي" الذي يؤمّه الفقراء ويلجأ إليه وأبناء الفقراء تحديداً. كما يدرك أهالي الطلاب المحرومين من التعليم اليوم جميع المطالب المحقة التي يطالب بها المعلمون لتحسين الأوضاع المالية ومهنة التعليم، ونكث الحكومات المتعاقبة وعدم التزامها بتطبيق بنود الاتفاقيات الموقعة سابقاً وخاصة الالتزامات المالية المترتبة عنها.
في المقابل، استمرار الإضراب لشهور متعددة يضيع على الطلاب حقهم الأساسي في التعليم، ويحد من اكتسابهم لمهارات التعلم، ومن قدرتهم على التحصيل العلمي. الأمر الذي يفقدهم فرص المستقبل بالحصول على نوعية تعليم نوعي وعالي، أو المنافسة على الوظائف السامية، أو مهنٍ ذات مكانة اجتماعية، ويحد من إحداث التقدم والتطور المدني والتحول المجتمعي البنى الثقافية والطبقية في المجتمع الفلسطيني أو السيرورة التاريخية في التغيير، ويعزز مراكز الطبقات الاجتماعية التقليدية المهيمنة على الحقل الاجتماعي والسياسي.
نقابياً، الإضراب عن العمل يأتي في قمة أساليب ووسائل الاحتجاج النقابي وآخرها، حيث يسعى النقابيون تجنب اللجوء إليه واتخاذ خطوات متعددة مسبقة من الطيف الواسع لوسائل النضال النقابي وأدواته الاحتجاجية، خاصة أولئك النقابيون الذين يقدمون الخدمات العامة "الحكومية" مثل الصحة والتعليم، لما له من آثار سلبية مباشرة أو مستقبلية على متلقي الخدمة والمستفيدين منها؛ وهم عامة الناس أو الأكثر فقراً الذين لا يتمكنون عادة من شراء هذه الخدمة من قطاعات أخرى. وبذلك يتحول هذا النوع من العمل النقابي إلى عقوبة ملازمة للفقراء وأبنائهم بحرمانهم من فرصهم الفردية أو التطور الفردي لهم بشكل مباشر، وللمجتمع ومستقبل التغيير بشكل غير مباشر؛ بالإبقاء على الطبقات المهيمنة اجتماعياً وسياسياً، أي الوقوف بشكل واعٍ أو غير واعٍ لصالح هذه النخب القادرة مالياً على شراء مثل هكذا خدمات في الأيام العادية والاستثنائية ولا يتأثرون أصلاً بإضراب المعلمين في المدارس الحكومية.
عادة؛ يبحث النقابيون عن التوقيت المناسب للإضراب القادر على مساعدتهم للتأثير على الحكومة أو صاحب العمل لتقصير المدة الزمنية للإضراب أو لتقليل الخسائر على الفئات المستفيدة من جهة، وتعظيم التعاطف والتضامن من الفئات المجتمعية المختلفة؛ بمن فيهم المتضررين مباشرة من الإضراب، لإحداث ضغط أوسع وقوة شعبية قادرة على تقديم الدعم لمطالب النقابيين المضربين.
وفي ظني أنَّ المعلمين قد أخطأوا تقدير الوقت خاصة أن هناك مسألتين رئيسيتين ينبغي أنْ تُأخذ بعين الاعتبار عند اتخاذ قرار الاضراب سواء الامتناع اللحظي أو الدائم، أو الامتناع الجزئي أو الكلي هما: (1) حالة التعليم المتعثر إثر جائحة كوفيد-19 "كورونا" على مدار العامين الفارطين سواء بفشل السياسات الحكومية المتبعة أو ضعف التعليم الحكومي أو عدم التزام المعلمين "الذكور منهم تحديدا" بالقيام بواجب المهنة في التعليم الإلكتروني مما أثر بشكل عميق على قدرات الطلاب التعليمية. (2) الأزمة المالية الحالية التي تعصف بالحكومة الناجمة أن خلل بنيوي في السياسات المالية الحكومية وتحديد الأولويات، والإجراءات الاحتلالية التعسفية التي تحرم الخزينة العامة الكثير من أموال الفلسطينيين، وتقاعس الحكومات الفلسطينية عن اتخاذ التدابير الواجبة لمنع التسرب المالي والسرقة الإسرائيلية، وضعف التمويل العربي والأجنبي.
بات إضراب المعلمين عن تقديم خدمة التعليم وتدريس الطلاب اليوم عقاباً مسلطاً على الفقراء وأبنائهم بمن فيهم أبناء المعلمين والمعلمات العاملين/ات في المدارس الحكومية بشكل أساس؛ فأبناء الطبقة الحاكمة وعليّة القوم أو أبناء الطبقات الميسورة لن يتضرروا من الإضراب ولن يتأثروا بضعف التعليم الحكومي.