14 يونيو 2022

المشهد في ترقوميا

المشهد في ترقوميا


غسان زقطان

مشهد الشاب من ترقوميا وهو يواجه دورية كاملة من جنود الاحتلال بيديه العاريتين سيبقى واضحا في المخيلة وعميقا وملهما. مشهد كثيف وإنساني إلى أبعد الحدود ومفتوح على المجاز.
الغضب الذي تبدى وهو يحيط بكل شيء ويدفع المخلوقات المسلحة التي تعيش تحت الخوذات ووراء البنادق حيث تقف عربة عسكرية فقدت هيبتها، غياب المسافة والاقتراب اللصيق بين جسد الشاب والكتلة المسلحة وهي تتعثر على أرض محروثة، كل هذا منح المشهد لمسة التراجيديا، وزحزح المشهد في لقطات متتابعة نحو تقمص اللوحة، في المقابل الجندي المتعثر الذي ولد تحت الخوذة ونبتت له بندقية في موضع الذراع كان يقدم مشهد الاحتلال بإخلاص.
ستضاف هذه الصورة إلى صور كثيرة في شريط مقاومة الاحتلال الطويل المتدفق، الفتية الذين يقفزون على شرطة الاحتلال وحملة أعلامه في باب العامود في القدس، السيدة في مواجهة الجندية في القدس أيضا، الكهل المسترخي في ساحة المسجد الأقصى بينما يصيح الجنود ويقفز المستوطنون، مشاهد بيتا الطويلة بشقيها الليلي والنهاري، والنبي صالح وكفر قدوم وبورين وحلحول والخان الأحمر... ثمة مشاهد لكل زاوية بخصوصية راكمتها خبرة كل موقع كما لو أنها إشارة المنشأ.
بقليل من التأمل، يمكن تمييز سلوك الناس في مقاومتهم للاحتلال، وتصرفهم وخبرة الأمكنة وتكويناتها، وتكيف أجسادهم وملابسهم وألوانهم وأدواتهم وطرقهم مع الطبيعة المحيطة بهم، ولكن جوهر المقاومة يبقى واضحا مثل جينة يتشارك فيها كل شيء، الشجر والتلال والكروم والبيوت والأدراج والأرض الجرداء والناس.
لا ينبغي أن ينتهي المشهد هنا، في اللحظة التي يحصل فيها الإعلام على حصته من الصورة، الحصة التي ستلبي حاجته من البلاغة، البلاغة التي ستقود موجة تحريض سيتلقفها سياسيون محبطون، وفضائيات تبحث عن خطابها ونجاعة تحليلات ضيوفها، وفصائل متهاوية ستحيطها بالهتاف وتزجية التبريكات، من الصعب أن يتكئ كل هذا على شجاعة شاب غاضب في أقصى جنوب الضفة الغربية.
خلف المشهد، سيعتقل هذا الشاب وسيساق إلى زنازين التعذيب حيث الوحشية الحقيقية للاحتلال، وحيث تتجسد الفاشية والكراهية على شكل جنود ومحققين ومحاكم، هناك بالضبط ينبغي أن يكون الإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، ومؤسسات حقوق الإنسان، والفصائل بأنواعها والسلطة التي ستستثمر شجاعة الشاب وألمه في بياناتها، تتبع رحلته حتى زنزانته ملاحقة مختطفيه حتى بيوتهم وتوزيع صورهم ومطاردتهم، وأن يطرق بقوة على جدران السجن وأبراج الحراسة ومتابعة الجلادين بأسمائهم.