09 يونيو 2015

رصاصة في الرأس .. انتهى المشهد

رصاصة في الرأس .. انتهى المشهد

(خاص)- فلسطين 24: في الثاني عشر من شهر آذار 2013، عربتان عسكريتان إسرائيليتان تقتحمان مخيم الفوار جنوب مدينة الخليل، شبانٌ يرشقون الجنود بالحجارة، وشاب في أول عقده الثالث، يوثق جرائم اقتحام الاحتلال للمخيم .. تمر دقائق خمس على اقتحام الجيش للمخيم .. والشاب يصور ما يقوم به الجنود من إطلاق نار وتكسير لواجهات المحلات .. حتى تستقر رصاصة في رأس الشاب المصور.

 

الشهيد الطيطي

يستمر إطلاق النار في المخيم، لا أحد يستطيع الوصول لإنقاذ الشاب، فتسحبه إحدى نساء المخيم إلى بيتها.

يمنع الاحتلال سيارات الإسعاف القادمة من دورا وبلدة الريحية من الوصول إلى المخيم، فيضع رجال من أهل المخيم الشاب في سيارة مدنية ويسرعون به إلى مستشفى يطا الحكومي.

 يحاول المسعفون إنقاذه، لكن دون جدوى .. فالرصاصة التي استقرت برأس مؤسس الحراك الشبابي في فلسطين محمود الطيطي كانت من نوع "دمدم" وهي رصاصة متفجرة يمنع استخدامها دولياً. فاخترقت جمجمته وانفجرت.

في المخيم، والد الشهيد محمود، منشغل بإصابة ابنه فارس، فقد أصيب الآخر خلال اقتحام الاحتلال للمخيم برصاصة في يده.

يقول والد الشهيد: "كنت عند بيت أختي عندما اقتحم الجيش المخيم، فنزلت إلى الشارع أبحث عن أولادي، وصلت البيت لأجد ابني علاء مصاباً في يده، أخذته إلى مستوصف المخيم، وتمت معالجته، ورجعنا إلى البيت. ولما وصلت، سألت عن محمود، فقد كنت أخاف عليه جداً، فأخبرني أصحابه أنه أصيب ونقل إلى مستشفى يطا.

انطلقت فوراً إلى المستشفى، وفي الطريق سمعت أهل المخيم يتحدثون عن استشهاد شاب اسمه محمود عادل، وهو اسم ابني، فعرفت بأن المصيبة قد نزلت.

وصلت المستشفى، وكان الأطباء يحاولون انقاذ ابني، ولما رأيت وجهه، تأكدت بأن محمود لن يعود من المستشفى على قدميه. وبعد دقائق أعلن عن استشهاده".

علي ابن عم الشهيد، قال بأن محمود كان يطلب من شباب المخيم الابتعاد عن مسرح المواجهات لأن "الجيش يستعد للقنص" وبعد ثوانٍ، أطلق أحد الجنود رصاصة على محمود اخترقت شفته العليا من جهة اليمين ففصلت فكه العلوي عن السفلي، واستقرت برأسه.

بعد يوم على استشهاد محمود شيع الآلاف من أهل المخيم، ومن محافظات الوطن، محمود إلى مثواه الأخير. وسط مشاركة من جميع الفصائل السياسية والوطنية.

والد محمود يسرد ما حدث في يوم تشييع ابنه، فيقول وعيناه تحبس دموع الفراق: وصل جثمان ابني إلى البيت لنلقي عليه نظرة الوداع، كان لا يزال ينزف ! .. لم نقوَ على تحمل الصدمة، وانهار الأهل.

وفي تشييع ابني لم أشعر بمن حولي، لا أعرف من أتى أو من ذهب .. كنت في عالم آخر، كنت أناجي روح ابني، أطلبها أن تعود.

يقول صديق الشهيد، شارك الآلاف من أبناء فلسطين في تشييع محمود، فقد كان مثالاً للشاب المناضل والحريص على قضايا الأسرى. كان مهتماً بقضية الأسرى المضربين عن الطعام، والأسرى المرضى، وشارك في العديد من الأنشطة الداعمة لهم.

محمود في الأسر

اعتقل الاحتلال الشهيد محمود الطيطي عام 2007، وحكم عليه بالسجن لمدة 3 سنوات، فتقدم لامتحان الثانوية العامة داخل السجون. وبعد خروجه من السجن، انتسب لجامعة الخليل، لدراسة الإعلام، وقبل انتهاء الفصل الأول له في الجامعة، اعتقله جهاز الامن الوقائي ، فلم يتمكن من إكمال دراسته في الجامعة، أمضى محمود 103 أيام في الأسر، وخرج بعدها وانتسب لجامعة القدس المفتوحة، لكن الاعتقالات المتكررة من الأجهزة الأمنية له منعته من الانتظام في الدراسة.

وكان آخر اعتقال لمحمود قبل استشهاده بشهر وخرج من سجون السلطة قبل خمسة أيام من استشهاده. بعد خروجه من السجن كان محمود دائم الصمت، كثير السرحان، وقد لاحظت أمه هذا التغير في شخصية محمود.

ومن المفارقات في حياة محمود أن هويته الشخصية والجامعية كانت محتجزة لدى الأجهزة الأمنية، حتى يوم استشهاده.

خصص مصروفه لدعم الأسرى

يقول الأب المكلوم: "قام محمود بمبادرة ذاتية فأسس الحراك الشبابي لدعم الأسرى، وكان يصرف ما توفر له من نقود على الحملات الداعمة لهم، فقد عرف المعاناة التي يعانوها داخل السجون، حتى أنني كنت أشدد عليه بأن لا يرهق نفسه في هذه الأعمال.

قاد محمود الحراك الشبابي لدعم الأسرى، فكان حريصاً على إيصال صوت الأسرى إلى العالم، للضغط على الاحتلال الإسرائيلي، ودفعه للإفراج عنهم وتحقيق مطالبهم.

وكان يشارك في كل اعتصام لدعم الأسرى، في الخليل، في بيت لحم، حتى في مدن شمال الضفة، وكان يدفع من جيبه كل تكاليف المواصلات".

 

اليوم الأخير ..

يقول والد الشهيد: "أيقظت محمود في ساعة مبكرة من يوم الثلاثاء (يوم استشهاده)، طلبت منه العمل على توسيع غرفة في البيت، وذلك لأن ابنتي كانت ستتزوج في الصيف، فكنا نعد البيت لاستقبال الأهل والمدعوين.

استيقظ محمود وراح يعمل في توسيع إحدى غرف المنزل. وبعد انتهائه من العمل، أطعمني بعض حبات جزر مزروعة أمام البيت.

وقبل المغيب، حضر جارنا الحلاق، فساعده محمود في حلق رأسي، وغسل لي رأسي و .... (هنا تغلب دموع الأب المكلوم جسارته وقوته .. فيجهش بالبكاء) .. غسل لي رأسي، وغادر البيت ليصلي المغرب جماعة في المسجد، وهذه آخر المشاهد التي رأيت فيها ابني وهو حيّ ..