أنا أكذب.. أنا موجود!

2016-01-05 20:34:20
آخر تحديث 2016-01-05 20:35:11

(خاص) فلسطين 24 -  "شعرك بجنن، لبسك حلو، ما حكى عنك الا الخير.. كله تمام" هذه العبارات وعشرات على شاكلتها، يتناولها الناس يومياً من صندوق "الكذب الابيض" الذي لا ينضب، ويتبادلونها  بينهم كالتحية، فمَن منّا لا يكذب بالمرة؟

أصغر؛


يقول علماء النفس ان الانسان اول ما يتعلم الكذب في طفولته. ذاك للدفاع عن نفسه في وجه العقوبة التي يلوح بها والداه في وجهه.

في سنيّه الاولى 3-4 اعوام، لا يكون الطفل قادراً على خلق كذبة "قابلة للتصديق"، فهو يكذب ببراءة، ويحكي اسباب ومبررات لا تُصَدَق استوحاها على الاغلب من عالمه الخيالي. 

مع مرور الزمن ومعايشة التجارب في رحاب عائلته ومجتمعه، وبعد اطلاعه على طرق الكذب واساليبه. تعلمه الخبرة كيفية ابتكار كذبات اكثر تصديقاً.. فيصبح كائناً اجتماعياً!

في التعريف؛ 


الكذب، بعمومه؛ عكس الحقيقة وما خالفها. ويفرق "ابن جني" بين "الكذب الخفيف" و"الكذب الثقيل"، وفي المعاجم العربية أجمعت على أنه عكس الصدق و‏‏"مُخَالِفَةٌ لِلْحَقِيقَةِ وَالأَمْرِ الوَاقِعِ".‏

 اما في الاصطلاح فـ"الكذبة البيضاء"، وفق المعاجم الانجليزية، هي القول الكاذب (نقيض الحقيقة) بنوايا طيبة. و الهدف منه تحقيق نتيجة ايجابية لدى المتلقي، كأن تكون مهذباً مع الاخرين ولا تجرحهم. 

الحقيقة صادمة؛


لهذا السبب، تعتقد "ليال" من رام الله، "اننا نضطر للكذب حرصاً على مشاعر الاخرين في بعض الاحيان، لاننا لا نريد ان نجرحهم. وربما لمجرد المزاح في احيان اخرى، لكن القصد ليس ايقاع الضرر بأي حال من الاحوال".

 توافقها الرأي "سحر"، بقولها ان الكذبات البيضاء تكون ضرورية احياناً "حتى نحمي آخرين من حقيقة صادمة؛ لا يقدم ولا يؤخر إن هم عرفوها أم جهلوها". وهي ترى اننا نكذب في هذه الحالة "لما فيه الخير للاخرين وصالحهم".

وتعتقد "ميساء" بدورها، ان "المجاملات" تصب في الخانة ذاتها، كونها لا تضرّ احداً لكنها على العكس "قد ترفع معنويات صديق او زميل، نشجعه، او حتى نطمئنه لانه قلق زيادة، او بدون داعي، ولاسباب بسيطة".

وتضيف: "احياناً نحن نطلب هذه الكذبة البيضاء من الاخرين، عندما نسألهم لا لشيء لكن فقط حتى نطمئن لامر ما، ونحن نعلم ان هذه ليست الحقيقة".

دفاع مشروع؛


هكذا الامر بالنسبة لـ "عامر" من طولكرم، فالكذبات البيضاء الصغيرة تمثل في كثير من الاوقات، خط الدفاع الاول لحماية انفسنا من الفضول الاجتماعي، و"رفع عتب".

يقول مفسراً "وإلا، ماذا نصنّف ردنا عندما يسألنا الناسُ عن احوالنا، وحياتنا، وعملنا، خلال اتصالات ولقاءات عابرة؟ فنرد عليهم تلقائيا: كل شيء بخير. حتى لو كانت الحقيقة خلاف ذلك".

ويسترسل بمزيد من الامثله، "الناس يجبرونك على الكذب بفضولهم؛ قد يراك احدهم متجهماً عابساً، او متعباً؛ فيسألك: خير مالك؟ في اشي؟ فتجد نفسك مضطراً للرد بأية اجابة تضليلية".

ويتابع معللاً "لا نقول الحقيقة لأننا لا نشعر ان أمرنا يعنيهم حقاً، او لاننا لا نرغب بمشاركتها معهم، وهذا حقنا. لكن جملة (هذا لا يعنيك) ليست موجودة في ثقافة مجتمعنا، بل تعتبر اهانة".

عباءة اللون؛


تقول "ليال" ان بياض الكذبة جاء من براءة القصد. وتوضح ان "الكذبة البيضاء من جنس لونها الأبيض، فهو رمز للنقاء والصفاء والخير. نحن عندما نكذب كذبه بيضا لا يكون قصدنا الشر".

ووفق هذا التفسير يسهل علينا معرفة ان "الكذبة السوداء" جاءت من لونها القاتم الذي يدل على نوايا شريرة والقصد منه الافساد والاضرار بالاخرين وايذاؤهم.

في النقيض؛


هناك من لا يؤمن بالكذب حتى لو كان ناصع البياض والنوايا. وترى الكاتبة والشاعرة فيروز شحرور ان الكذب كله منفر حتى لمن يمارسه، ناهيك عن حالة الشك والريبة التي يخلقها لدى المستهدف منه.

وتزيد بالقول ان "بإمكان أي شخص قول الحقيقة ببساطة لان الحقيقة ليس لها مرادف كالكذبة البيضاء" 

وتعتقد ان استخدام كلمة ‏‏"بيضاء" هي فقط من أجل تخفيف حدة وقع الكذب على النفس". كما ان "توظيف كلمة البياض هنا ينطوي تحت حق يراد به باطل".‏

وحسب الكاتبة شحرور "لا البياض ولا السواد ولا غير ذلك ‏يغير من ماهية الكذب".  تلك التعبيرات ما هي الا انسحاب أمام قدسية الحقيقة أو قول الحق".

على نفس المنوال، يرى "علي" من جنين، ان الصدق وحده منجاة. اما الكذب فلا يقدم ولا يؤخر بل ان الكذب الابيض قد يجعلنا نعتاده ونستسيغه في حياتنا حتى نصبح كذابين بامتياز!

بدورها، كلثوم جابر من القدس تعتقد ان "ما يتم اسقاطه من ألوان على الكذب كلها زائفة، وجاءت كحاجة نفسية لتمويه دلالات ‏الكلمة ولجعلها اكثر ‏قبولا".

وتضيف "الكذب ‏نقيض الحقيقة، وللخروج من دلالة الكذب السلبية نقول كذبة بيضاء واُخرى سوداء، الا ‏انه لا يوجد هناك ألوان ‏للكذب". 

أعمق! 


عندما سُئل المفكر والطبيب النفسي فرانز فانون: لماذا هناك كذب أبيض وآخر أسود؟ قال انه بحث عن إجابة ووجد بأن المصطلح يكشف عن "ثنائية" تدل على تمييز عرقي بين "الأبيض الجميل" و"الأسود القبيح". 
        
وبدأت تصنيفات الكذب تلك منذ الزمن الأفلاطوني حينما فصل أفلاطون بين الكذب النبيل وما يقابله؛ أيّ الدَّنيء.. وفي بداية زمن "الأنوار" ألحقه "الابيض" لنفسه الكذبة النبيلة تمايزاً عن أولئك"السود" الاقل قيمه انسانية، في نظره بالطبع.

إن ما يفسره لنا فانون - المارتنيكي الأصل؛ جزائري الإنتماء -  يكشف عن رمزية اللونين والدلالة المنطوية ‏عليهما، ‏تلك الإيحاءات التي تحيل إلى جمال ذاك "الأبيض"؛ نظافته؛ حضارته؛ وسامته.. لقاء قباحة "الأسود"؛ وساخته؛ ‏‏همجيته؛ تخلفه.‏