11 يناير 2016

عن طفلتين تكبران دون أب

عن طفلتين تكبران دون أب

(خاص) فلسطين 24 – عقيل العواودة: الاحد 29 كانون الأول من عام 2002، كان صباحه عادياً ,قبّل قيساريا وحضن مريم، و ودّع زوجته، و انطلق إلى عمله فرحاً بكل ما أعطاه إياه الله، بعائلته الصغيرة وبعمله وبلده، لكن ثمة صوت غريب خرج فجأة من حيث لا يدري شتت أفكاره وبعثرها، " قف ! هوية، اخرج, انت معتقل" .. أربع كلمات وسلاسل ومطرقة قاضي ارسلته الى حيث السواد والبرد و الظلام.

نطق قاضي الاحتلال بحكم لا يقبله العقلي البشري 5 مؤبدات وزادوا عليها عشرين عاماً, أغلقت الابواب وما عاد لقيساريا ومريم سوى رب في السماء وام ادماها فقدان الوطن فالأسير منيف كان الوطن و الأرض و السماء .. كان كل شيء.

"الأب الأسير، المحامي ومحكمة محتل ، الحُكم و المؤبّد، النّقب ونفحه , الزيارة وباص الصليب , الكنتين و العزل" ..  مفردات وكلمات يومية تتردد على لسان قيساريا ومريم، الفتاتان اللتان يعتبرهما منيف الوطن لا بل الكون بشموسه وأقماره.

منيف والوطن

"منيف أبو عطوان" فلسطيني الاب والام من قرية الطبقة الواقعة غرب مدينة دورا قضاء الخليل , اعتقل منيف أبو عطوان عام 2002, وحكم بالسجن (خمسة مؤبدات وعشرين عاماً) ويقبع الان في سجن ريمون بتهمة تخطيط وتجهيز منفذي عملية "عتنائيل" والتي نفذها الشهيدان محمد مصطفى شاهين, وأحمد عايد الفقية, و التي قتل فيها خمسة اسرائيليين وأصيب 12 آخرين.

قبل الأسر

منيف شاب فلسطيني عادي, يحب الارض وكل من عليها, كان يعمل في كراج بسيط للمركبات في بلدته التي ولد من رحمها محبا لها ولاهلها , تزوج منيف وجاءت قيساريا لتملئ الدنيا على منيف وزوجته، كبرت قيساريا قليلاً واتت شقيقتها الصغيره من حيث اللاوجود لتكن عوناً لشقيقتها في قادم الزمن الذي يخبئ الكثير لطفلتين صغيرتين واب شاب وام يملئ قلبها فرح لا يعلمه الا رب السماء.

كبروا الصغار

عندما اعتقل الاحتلال الاب كانت قيساريا في عامها الاول , لم تبصر والدها جيداً  لم تعتد على شيء من حنانه وقلبه الكبير الذي اتسع للوطن، اما مريم الصغيره فاسمها كان صبغة عن جدتها ام المنيف فكانت في شهرها الاول تداعب نسمات الهواء وتتخاصم مع كل شيء.

كبرت قيساريا وجاء السؤال الذي لطالما تمنت أمها لو أن يتأخر قليلاً .. "ماما وين بابا" ؟! .. فمن سيجيب طفلة لم تعرف لحنان الأب طريق و من سيقول الحقيقة  المرّة لشقيقتها الصغيره؟.

ترى هل يستوعب عقل الطفلتين ما معنى اسير؟ وما معنى مؤبد؟ وما معنى ان يأتي العيد والاب اسير؟ .. الاعوام تمر عام يتبعه عام، والصغار يكبرون والأحمال باتت تثقل ظهر زوجة الأسير.

العيد واللقاء الاول

إنه العيد .. يوم لمة الاحباب والاهل والجيران، يوم يلبس فيه الصغار كل ما لديهم يتباهون بعدياتهم المتواضعة.

ولكن يوم مريم وقيساريا كان مختلفاً، فكانا في طريقهن لرؤية والدهن هناك حيث الثقب الاسود الذي اوجده الاحتلال حيث قلعة الاسرى "ريمون ".

ساعات طويلة في الحافلة .. صوت التمتمات، كادت أن تفقد مريم وقيساريا صبرهما للحظة اللقاء.

بعد طول انتظار فُتحت البوابه وبدأ ذوي الاسرى بالدخول، كانت قيساريا تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر وهي ترسم في مخيلتها أسئلة كثيرة، "كيف سأحتضن والدي وأشتم رائحته"!؟ .. فجأه تبددت كل هذه الاحلام فالشبك والزجاج وسماعة الهاتف مزق احلامها الصغيره فبدأت بالسؤال: "بابا ليش ما بتيجي ليش ما تحكيلهم يفتحوا الباب ليش بتحب اتضل عندهم" !!.

الزيارة الاخيرة

والدة منيف، التي ارتسم بتجاعيد وجهها صورة منيف وخارطة وطن حر، كانت تعاني الامرين للوصول الى نجلها لتحسس وجه من خلف زجاج وسلك شائك, زارت نجلها اكثر من 10 مرات طيلة سنوات سجنه وفي المره العاشره والاخيره كان وجهها البشوش منكسفاً من شدة الالم والامل في ان ترى نجلها بين احضانها.

 منيف الذي لم يكبر في عين امه ما زالت ذكريات طفولته في ذاكرتها التي تجاوزت الـ 77 عاما، وصلت الى سجن ريمون وقابلت نجلها وودعته الى لقاء ظنت أنه قريب!.

 لم تكن تعلم أن الموت ينتظرها خلف ابواب غرفة الزيارة، فما ان خرجت من الباب واذ بنوبة قلبية تتسلل الى قلبها الذي انهكه حزن الفراق, لتنتقل الى بارئها قبل ان يتحقق حلمها  بمشاهدة ابنها خارج تلك الاسوار ، ومنيف لم يودع أمه ويمنحها قبلة اللاعودة.  

كبرت قيساريا والى جانبها مريم فقيساريا الان تبلغ من العمر 14 عاماً ونصف، ومريم الصغيره لم تكمل عامها الـ13 ، فقد كبر معهم الحلم والامل, حلم الاب الذي حطمته المؤبدات الخمسة والاعوام العشرين.